إعادة النظر في علاقة الإنسان بالله

تحدياتٍ جمّة يواجهها عصرنا في مجال الدين والتدين ومن بين العوامل التي مهدت الطريق للردة، بل وحتى معاداة الدين، انتشارُ الشكوك العقائدية، وتحريفُ التعاليم الدينية، وتغيرُ فهم الدين، وتقديمُ تفسيراتٍ خاطئةٍ للتعاليم الإسلامية.

بقلم: فرزان خاموشي

تتناول هذه المقالة أحد أهم العوامل التي قد تُثير الشكوك في المعتقدات الدينية وقبل الخوض في هذه العوامل، من المهم التذكير بأنه على الرغم من كل هذه التحديات، ستبقى حقيقة الدين ثابتة ولقد أظهر تاريخ البشرية أن الإيمان والميل إلی الدين، على الرغم من أنهما قد يصاحبهما أحيانًا ضعف وتقلبات، لم يختفيا أبدًا من حياة الإنسان.

مفاهيم خاطئة عن الله 
من أهم العوامل التي تجعل الإنسان يتردد في طريق التدين سوء فهمه للدين، وخاصةً سوء الفهم عن الله عز وجل. فعندما تتشكل صورة الله في ذهن الإنسان بناءً على مفاهيم خاطئة، فإن هذا الفهم يؤثر تدريجيًا على معتقداته الدينية، ويُهيئ له أرضيةً للابتعاد عن الدين.

إن أساس جميع التعاليم الدينية هو الإيمان بالله. فإذا لم يترسخ هذا الإيمان الأساسي بشكل صحيح، فإن جوانب أخرى من التدين ستتزعزع. ولذلك، فإن أي خطأ في فهم الله سينعكس على سلوك الإنسان وموقفه الديني.

قد يسمع المرء أحيانًا هذا الوعد الإلهي: "ألا بذکر الله تطمئن القلوب".

لكنه قد يقول في نفسه: "لقد صليت، وقرأت القرآن، وذكرت الله، وأديت العبادة لسنوات، ولكني لم أنل الطمأنينة المنشودة".

ومن أهم الأجوبة لهذا السؤال تصحيح نظرة الإنسان إلى الله؛ قد يؤدي المرء جميع العبادات، لكنه يبني علاقته بالله على أساسٍ خاطئ وفي هذه الحالة، من الطبيعي ألا يشعر بأثر هذه العلاقة في حياته. ويرى بعض علماء الإسلام أن كثيرين يقعون في عبودية الله بسبب نظرتهم الخاطئة لعلاقتهم به، إذ يتوهمون أن استمرار هذه العلاقة مشروط بتلبية جميع رغباتهم، وكأن الله مُلزمٌ بالاستجابة لها دائمًا.

يتجلى هذا الموقف بوضوح في مسألة الدعاء؛ فالإنسان يدعو الله بصدق وإلحاح، ولكن عندما لا يُستجاب له، يصاب بخيبة أمل، بل ويتزعزع إيمانه وقد يظن أحيانًا أن عدم استجابة الله لدعائه يعني عبثية التواصل معه.

إلا أن هذا التصور لا يتوافق مع حقيقة الإيمان؛ فالله وعد بالاستجابة، ولكن الاستجابة لا تعني بالضرورة تلبية الدعاء الذي يتوقعه الإنسان. فقد تكون الإجابة الإلهية "نعم"، وأحيانًا "لا"، وأحيانًا يؤجلها إلى وقت أنسب وكل هذه الإجابات مبنية على حكمة الله المطلقة وعلمه ورحمته.

فإذا آمن الإنسان أن الله حكيم، عليم، رحيم، وأعلم بمصالح عباده منهم، فلن يفقد صلته بالله حتى لو لم تكن استجابة دعائه كما يتوقع. وأما إذا كان أساس هذه العلاقة هو تلبية الرغبات الشخصية فقط، فإن أدنى تقصير قد يدفعه إلى الشك والابتعاد عن الإيمان. لذلك، فإن تصحيح موقفه تجاه الله هو الخطوة الأولى في تقوية الإيمان والمثابرة على طريق التدين.

إذا آمن العبد بحكمة الله وکان علی یقین بأنه لا يفعل شيئًا إلا لمصلحة، فسيكون أكثر اطمئنانًا لقضائه. فالإيمان بعلم الله وحكمته ورحمته يضمن ألا يؤدي حتى الرد السلبي علی بعض الطلبات إلى ضعف الإيمان أو الابتعاد عن الله ، لأن المؤمن على يقين بأن الله أعلم بمصالح عباده منهم.

تبدأ المشكلة عندما يبني المرء علاقته بالله على رغباته الشخصية، أي أنه لا يعتبر نفسه عبدًا لله إلا إذا تحققت جميع رغباته وهذه العلاقة مبنية على المنفعة، لا على الإيمان والعبودية.  

وقد أكد بعض العلماء أنه إذا جعل العبد إرادة الله ورضاه محور حياته، وسعى إلى التوفيق بين إرادته وإرادة الله، فلن يتزعزع في طريق التقوى وأما إذا توقع أن يتصرف الله دائمًا وفقًا لرغباته، فسيواجه أزمة الإيمان في أولى اختبارات الحياة.

ويمكن النظر إلى هذه المسألة من زاوية أخرى؛ إن كثيراً من الناس يتوقعون دائمًا أن يستجيب الله لدعواتهم، لكنهم قلّما يسألون أنفسهم إلى أي مدى قد استجابوا لدعوات الله. يتوقع الإنسان من الله أن يغمره دائمًا بالرضا والعناية، بينما هو نفسه قد يهمل ذكر الله ويتجاهل أوامره.

قال تبارک وتعالی في کتابه العزیز:

"وَاذْكُرُونِي أَذْكُرُكُمْ".

هذه الآية تُعَبِّرُ عن حقيقة عميقة؛ فعلاقة الإنسان بربه ليست علاقة من طرف واحد؛ فكما يتوقع العبد من فضل الله ورحمته وهدايته، يتوقع الله أيضًا منه الإيمان والذكر والطاعة. 

وفي هذا السياق، رُوي عن المتصوف الجليل، معروف الكرخي (رحمه الله)، أنه سُئل عن كيفية بلوغه هذه المكانة الروحية الرفيعة وهذه العلاقة الوثيقة مع الله فأجاب أن سر هذا النجاح يكمن في اتباع نصيحة ابن سماك.

يروي أنه في أحد الأيام، بعد صلاة العصر، كان جالسًا في المسجد يستمع إلى خطبة ابن سماك. فبدأ ابن سماك خطبته بهذه الجمل:

من كان مع الله تارة وتارة ، كان الله معه تارة وتارة .
ومن أعرض عن الله ،أعرض الله عنه.
ومن أقبل على الله بكليته ، أقبل الله سبحانه بكامل رحمته عليه .
فأدهشني كلامه ووقع في قلبي  وقلت إن مكنني ربي لأفوزن بأعلاها
فأقبلت على ربي بكليتي ... فأقبل ربي علي بواسع رحمته وعطائه

هذا الموقف يُصلح علاقة الإنسان بربه ففي هذه الحالة، لا يرى الإنسان نفسه دائمًا مدينًا لله، وعند مواجهة مشاكل الحياة، بدلًا من الاحتجاج، يُراجع نفسه ويسأل: "إلى أي مدى أديتُ واجباتي كعبد؟" 

ولا شك أن تصحيح هذا النوع من النظرة سيلعب دورًا هامًا في تقویة الإيمان وثبات الإنسان على الدین.

الخلاصة

يُظهر فحص عوامل الشك في الدين أن جزءًا كبيرًا من هذه الشكوك لا ينبع من حقيقة الدين، بل من تصورات الإنسان الخاطئة؛ أولًا، المعرفة غير الكاملة بالله والفكرة الخاطئة عن علاقة الإنسان بربه تجعله يتوقع أن تُلبى جميع رغباته دون قيد أو شرط، وإذا لم تُلبى، فإن إيمانه سيتزعزع.

نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا جميعاً فهماً صحيحاً وعميقاً للدين، وإيماناً راسخاً، وقلباً مليئاً باليقين، وتوفيقاً في الأعمال الصالحة، وأن يحفظنا من الضلال في الفكر والعمل آمين.